عودة إلى الفهرس

انتفاء اتفاق الناس على الحكم الإسلامي لا يوجب نبذه

مقالة قديمة·فكر
انتفاء اتفاق الناس على الحكم الإسلامي لا يوجب نبذه

إنَّ كُلَّ من نَصبَ نفسه في مقامِ تحديدِ الواجبات، ورَسْم الحقوق بين البَشَر، لا بُدَّ أنْ يكون منطلقه في ذلك -من حيث شَعَر أم لم يشعر- من تصوُّرٍ عامٍّ عن الإله، والإنسان، والكون. وهذا التصوُّر يُمثِّلُ -في نظره- حقيقةً تفرض على الناس غايةً يلزم عنها سلوك الطريق الموصل إليها، وسلوك هذا الطريق إنْ لم يصْدُرْ عن اعتقاد منهم بصحته = كان إرغامًا لهم عليها.

فحينَ يُطالبك العلماني مثلًا بالعيشِ في الدُّنيا، وبناءِ العلاقات البشرية على ضوئها = فهو في حقيقة الأمر يبني هذه المطالبة على وجوب أنْ تكونَ غايتك النهائية -التي إليها تسعى وتحفد– ضمن حدود الدُّنيا ونطاقها. ومطالبته هذه مبناها على عدم الإيمان باليوم الآخر، وعدمُ إيمانه هذا لا يوافقه عليه كثيرون، بل إن البرهان ضدّه. فأن يُطالب العلماني غيرَه على أن يحصر غاياته في حدود دنياه يجعله ذلك واقعًا فيما يعيبه على المتدينين حين يدعون إلى أديانهم.

وإنِّي لأجزمُ أنَّ دخول هذه الدائرة -أعني: دعوة الناس إلى التزام إطار معين في حياتهم- تُرجِّحُ كِفَّة الإسلام على غيره من الأديان والمذاهب الفكرية، وليس هذا موضع البرهنة؛ إذ المقصود من كتابة هذه المقالة أمرانِ اثنان:

أحدهما: أنْ تعلم أنَّ كل من يقيم نفسه مقام التشريع -أو سَمِّه: وضع القوانين- لا يُشرِّع شيئًا إلا وهو نابعٌ عن رؤى كونية سابقة، أو قُلْ: تصوُّر عامّ عن العالَم، ومكانة الإنسان فيه.

ثانيهما: أنْ تعلم أنَّ كلَّ تشريعٍ يرسم العلاقة بين الناس لا بُدَّ أنْ يكونَ له مخالفٌ، فتضطرُّ السلطة حينئذٍ إلى قهر المخالف وإلزامه بموجبات رؤيتها.

وهذان الأمران كثيرًا ما يتخذهما المعادون للإسلام سُلَّمًا للطعن في جعله مهيمنًا على الناس؛ حيث يقولون: «مبنى القول بسلطة الشريعة على المجتمع هو: التصديق بعقائدكم، وليس الكل موافقًا لكم عليها، فعلامَ –إذًا- تلزمونهم بمراعاة أحكام شرعكم؟!».

فيُقال لهم: حسنًا، سننبُذُ التشريع الإسلامي، وسنأتي ببديلٍ عنه، والبديل إنْ لم يكنْ تشريعًا إلهيًّا فهو تشريعٌ بشرِيٌّ، وأنا هنا سأتجاهل قصورَ الإنسان وتأثُّرَهُ بالمؤثِّرات الداخلية والخارجية، وسآتي على الأمرين اللذين ذكرتهما آنفًا، وأسأل سؤالاً مشروعًا: هل يؤمن المشرِّع -سواء أكان فردًا أو جماعةً- بخالقٍ يُحاسب خلقَهُ على ما يصدُرُ منهم في هذه الدنيا أم لا؟

ومعلومٌ أنَّ لِكِلَا الجوابين لوازمُ تختلف عن الآخر، وبهذا بَرَّرَ الفيلسوف (مرتمر أدلر) أكثريَّة الكلام عن هذه القضية في الموسوعة البريطانية التي ضمَّتْ أعظم كتب العالم الغربي، حيث قال: «لأنَّهُ يترتَّبُ عدد من العواقب [اللوازم] المؤثِّرة في الحياة وأعمال الإنسان عنْ تأكيد وجود الله أو إنكاره أكثر من أي مسألة أساسيَّة أخرى»، ووجودُ الله أصلٌ للإقرار بالحساب والجزاء».

وحين أقول: «لكلا الإجابتين لوازم»؛ فأنا أقصِدُ ببساطة: أنَّ السلطة حين تكون مؤمنة بخالقٍ يُحَاسب الناس يلزمُها أنْ تراعِيَ مرادَهُ، أمَّا إنْ لم تكنْ مؤمنةً بذلك فسيصدرون في أحكامهم على غير مرادِه، ولا شَكَّ أنَّه ليس كل أفراد المجتمع مؤمنِين بخالقٍ يُجَازي خليقته، كما أنّه ليس الكل منكرين له، وبالتالي فإنَّه لن يكون جميع أفراد المجتمع -في أي زمانٍ ومكان- راضين قابلين لما يُسنُّ من أحكامٍ وقوانين؛ فيلزم حينئذٍ تطويعهم لها رغمًا عنهم.

وقد يقول قائل: الأصل أننا نعيش لهذه الدنيا وَفْقَ مراد الإنسان، وادِّعاء وجود خالقٍ يحاسب خليقته هو ادِّعاء زائدٌ لا يُلتفت إليه ما لم يأتِ صاحبُه بحجة ظاهرةً!

والجواب من وجوه:

الوجه الأول: لا نسلِّم أنَّ العيشَ في هذه الدنيا وَفْقَ مراد الإنسان هو الأصل؛ فإنَّ هذه الدعوى تفترض أنَّ الأصلَ في الإنسان هو عدم الإيمان بخالقٍ يحاسبه، وليس الأمر كذلك، بل العكس هو الحق. وليس هذا موطن البرهنة.

وأستأنس هنا بكلامٍ لِــ(وِل ديورانت) في موسوعته الشهيرة قصة الحضارة، حيث يقول: «ولا يزال الاعتقاد القديم بأنَّ الدينَ ظاهرةٌ تعُمُّ البشر جميعًا اعتقادٌ سليمٌ، وهذه -في رأي الفيلسوف- حقيقة من الحقائق التاريخية والنفسية».

الوجه الثاني: لنسلِّم جدلًا بأنَّ الأصل في موقف الإنسان من قضية الخالق والجزاء هو الحياد – أي: لا يُثبت ذلك ولا ينفيه -؛ فيكون الناس بعد النظر على ثلاثة أصناف: الصنف الأول: مثبتٌ، والمثبت مطالَبٌ بالدليل. والصنف الثاني: نافٍ، والنافي كذلك مطالبٌ بالدليل. والصنف الثالث: لا يُثبت ولا ينفي، وهذا إما أنه يدَّعي استحالة الوصول إلى العلم بثبوته أو نفيه، أو أنَّهُ لا يدَّعي ذلك، فإن ادَّعى الاستحالة = فهو إذًا مطالبٌ بالدليل -وأنَّى له به-، وإن لم يدَّعِ ذلك = فهو جاهلٌ بأعظم الأصول، والجاهل بها لا يَحِقُّ له الكلامُ في فروعها حتى يحكم الأصل.

فالسلطةُ إذًا إمَّا مثبتَةٌ لخالقٍ يحاسب الناس، أو منكرةٌ له، وإما نافيةٌ لإمكان العلم بثبوت أو نفي هذه القضية، وهذا الموقف الأخير ستكون تفريعاته كما لو كانت منبثقة عن إنكار الجزاء الأخروي، والكلُّ – كما علمتَ – مطالبٌ بالدليل، وإذا كان الأمر كذلك = فإنَّ الناسَ مطالبون بحسم الموقف منها قبل الشروع في أمورٍ تتوقَّفُ على حسمها؛ لأنَّ سَنَّ القوانين بمحض الالتفات إلى مرادات المخلوق دون الخالق لا ينفي احتمال أنْ تكون -كما يعبِّر (أنتوني فُلو)- مهدَّدًا ببُؤْسٍ لا نهائي، والمعرفة التي من الممكن أنْ تُظهِر لنا كيف من الممكن تلافي ذلك هي معرفة عظيمة القيمة.

الوجه الثالث: القائل يفترض أنَّ الإنسان يعيش في هذه الدنيا دون وجود من يُقَيِّدُ مراداته، وهذا بلا شك باطل؛ إذ التقييد لازم وإلا انقلبت المجتمعات إلى غابةٍ يسْحَقُ فيها القويُّ الضعيفَ، وهذا التقييد إما أنه يأتي من الفرد نفسه أو من غيره، وفي كِلا الحالين لا بُدَّ من تبريرٍ منطقيٍّ يبرِّرُ به المرء كَبْحَ رغباته، وتفويت محبوباته، وإلا كانَ على غاية ما يمكن من السَّفَه.

ولتلخيص ما سبق أقول:

ليسَتْ أقوال الناس كُلُّها حَقًّا، كما أنَّهُ ليست الأفعال كُلُّها عدلاً، والسلطة ينبغي عليها أنْ تُحِقَّ الحق، وتحقِّقَ العَدْلَ بين أفراد المجتمع، وإحقاقُهُمَا موقوف على تحديد السلطة لهما على وجه التفصيل، ومرجع التحديد إمَّا أنْ يكون إلى الخالق، أو إلى المخلوق، والمخلوق من البشر -كما علمتَ- إما أنه يؤمن بخالقٍ يحاسبه على انحرافه، أو أنَّه لا يؤمن، ولِكِلا الموقفين لوازم تتلخَّص في لازمَيْنِ اثنين:

١– إمَّا مراعاة مرادات الخالق في حال كانت السلطة مؤمنة به. ٢- أو عدم مراعاة مراداته سبحانه. وكُلٌّ منهما سَيُلزِم أفراد المجتمع ببعض فروع موقفه من قضية الخالق دون اعتبارٍ لموافقتهم له عليها.

واعلمْ أنني إنما أقصد هنا مطلق ما ينسب إلى الخالق من مرادات، دون اعتبارٍ -في هذا السياق- إلى صِدْقِ النسبة من عدمها؛ لأنَّ المقصودَ -كما علمتَ- هو إثباتُ أنَّ كُلَّ فَرْدٍ ينصِّبُ نفسَهُ في مقام التشريع لا بُّدَّ أنْ يَظْهَرَ أثر اعتقاده في تلك الأقوال والأفعال التي يرى وجوبها، وترتيب الجزاء القانوني عليها.

ولهذا كان التشريع من خصائص الخالق التي لا تنبغي إلا له؛ إذ هو من له إلزام الناس بالانقياد لشرعه والإذعان له، وهذا الإلزام فَرْعٌ عن صفاته التي بها امتاز عن المخلوق، وفرع عن الإيمان بحسابه وجزائه. والحمدلله رب العالمين

التعليقات (٠)

كن أوّل من يعلّق.