التلازمُ بين الإقرار بالخالق وإظهارِ الافتقار إليه
لا ريبَ أنَّ الإنسانَ مفتقرٌ ومحتاجٌ إلى خالقه في وجوده واستمرار حياته، ولا معنى لكونه مخلوقًا دون هذه الافتقار؛ إذ الافتقار أخصُّ خصائص المخلوق اللازمة له، كما أنَّ الغِنى المطلق أخصُّ خصائص الخالق اللازمة له، ومن نازع في ذلك فقد التبس عليه الفرق بين الخالق والمخلوق.
وبيان هذا الافتقار أن يُقال: إنه لولا الخالق لم يُوجد الإنسان؛ وذلك لأنَّ الأصل في حقِّهِ هو العَدَم. فإنْ وُجِدَ المخلوق = عُلِمَ أنَّ ثَمَّةَ سَبَبًا أبرزه من العدمِ إلى الوجود، ولولاه لكان باقٍ على الأصل وهو العدم؛ ولذلك فإنَّ العقلَ لا يسأَلُ عن سبب عدمه، وإنما يسألُ عن سبب وجوده، وهذا عامٌّ في كل موجودٍ حادث؛ فأنتَ حين توقِفُ سيارتك عند الباب تعلمُ أنَّ الأصل بقاؤها في مكانها، ولذلك لا تسأل عن سببه، وإنما تسأل عن سبب تغيُّرِ محلها إذا خَرَجتَ ولم تجدها.
وأما الافتقارُ في استمرار الحياة فهو لازمٌ للأول، ومما يُعين على كشف المعنى المراد هذا المثال المضروب: إنَّ الإنسان لكي يحيا لا بُدَّ له من الطعام، والخالق -عزَّ وجلَّ- خلق في الإنسان الأعضاء التي بها يستفيد من غذائه، وهي كُلُّ جزءٍ من أجزاء البدن ممَّا له دَوْرٌ في عملية التغذية من الفمِ، إلى أنْ يصل إلى العضو الذي تخرج منه الفضلات، وهذه الأعضاء المعقَّدَةُ المركَّبَةُ لو اختَلَّ عملُ واحدٍ منها لاضطربت عملية التغذية، بل إنَّ بعض الاختلالات والاضطرابات في هذا الجانب تُفْقِدُ الإنسان حياته.
وأيضًا، نجدُ أنَّ الله تعالى خلق أمرًا آخرَ مستقلًّا عن الإنسان، وهو الطعام الذي فيه قُوَّةُ بَدَنِه. وكذا لو أنعمتَ النظرَ لوجدتَّ أنَّ استمرار حياة الإنسان متوقِّفٌ على أمورٍ كثيرة جدًّا، كلُّها من خلق الخالق -تبارك وتعالى-.
ما يلزمُ عن افتقار الإنسان لخالقه:
إنَّ الإنسان يقول أقوالًا، ويعمل أعمالًا بمحض اختياره وإرادته، وهذه الأقوال والأعمال إمَّا أنْ تعبِّرَ عن افتقاره لخالقه وذلك بالتقرُّبِ والتذلُّلِ إليه، أو ألَّا تعبِّر عن تلك الحقيقة؛ فنحن إذًا بين أمرين لا ثالث لهما: الأول: أنْ تكون أقوالنا وأفعالنا الاختيارية معبِّرَةً عن افتقارنا إلى الرب -جل جلاله-. الثاني: أنْ تكون أقوالنا وأفعالنا الاختيارية ليس فيها ما يُعبِّر عن تلك الحقيقة -أعني حقيقةَ الافتقار إلى الخالق-، وهذا بلا شك باطلٌ.
وعلى ضوء ما سبق أستطيع أن أقول: الناس في هذا الشأن على ثلاثة أصناف:
الصنف الأول: مَن لم يُظهر في أقواله وأفعاله الاختيارية ما يُعبِّر عن افتقاره إلى الخالق، وهذا هو الجاحد؛ إذ أنَّه جحد الحقيقة، وهو إما أنه يقرُّ بوجود الخالق، أو لا يُقِرَّ بذلك، فإنْ كان يقرُّ به لزِمه الإقرار بافتقاره إليه وإلا كان متناقضًا ومسوِّيًا له بالمخلوقات. أما إن لم يقرَّ بوجوده فالنقاش معه له مسارٌ آخر.
الصنف الثاني: مَن أظهر في أقواله وأفعاله الاختيارية ما يُعبِّر عن افتقاره إلى الخالق، إلَّا أنَّه قرن ذلك بأحد بين أمرين: إما أنْ يوجّهها للخالق ويُشرك معه مخلوقًا آخر، أو أنْ يُفردَ بها مخلوقًا من دون الخالق، وهذا قد ساوى المخلوق بالخالق.
الصنف الثالث: من أفرد الخالق بأقوالٍ وأفعالٍ اختياريَّةٍ تعبِّرُ عن الافتقار إليه، وهؤلاء سلِموا من الشرك، وسَلِموا كذلك من الجحود، وحقيقة الشرك: هي تسوية المخلوق بالخالق، وكفر الجحود عكسُ الشرك، إذ هو تسوية الخالق بالمخلوق بجامع عدم الافتقار إليهما. والتسوية بين شيئين مختلفَيْنِ ظُلْمٌ، ويعظُمُ الظلمُ كلما عظم الاختلاف بين الشيئين.
وإنَّ مِمَّا يُحَفِّزُ الإنسانَ على هذا اللازم -الذي هو إظهار الافتقار إلى الخالق- هو أنْ يستحضر أنه في هذه الحياة يُريد جلبَ ما ينفعه ودفعَ ما يضُرُّهُ، ووقوع كل ما يريد يتوقف على أمرين: أحدهما: العلم بكل ما ينفعه. ثانيهما: القدرة على جلبه إليه.
والإنسانُ فاقدٌ لهذين الأمرين، وغايةُ ما عنده أنه يعلم بعضَ ما ينفعُهُ، ويقدِرُ على بعضِ ما يعلم نفعَهُ، وهذا إنما حصل له بتعليم خالقه له، وخلقه للقدرة فيه، فيرجع الفضل في حصول مقتضاها إلى البارئ -سبحانه-، والإقرارُ بالفضل أُوْلَى عتبات الشكر، فأوجبَ إظهارَ الافتقارِ أمران:
أحدهما: شكرُهُ على نعمةٍ سابقةٍ؛ إذ إنَّ حقيقة النعمة: حصول ما ينفعُ، ودفع ما يضرُّ، ولا شك أنَّ كلَّ إنسانٍ حصل له قَدْرٌ مما ينتفع به، ودُفِعَ عنه قَدْرٌ مما يتضرر به، ومن نازع في ذلك فلينظر إلى من هو دونه -في أمر دنياه- نظر متدبرٍ ومقايسٍ بين حال نفسه وحاله، وسيقف -حتمًا- على جملةٍ من نعم الخالق عليه، فيلزمه الشكر حينئذٍ.
وثانيهما: طلب حصول نفعٍ، ودفع ضرٍ لا يقدر عليه إلا الخالق، والأول والثاني متلازمان. فكيف إذًا يقع الشكر والطلب؟ إنَّ كُلَّ ما يحصل من نفعٍ ينحصر حصوله لك في طريقين: الأول: عِلْمُ الإنسان وقدرته، والإنسانُ، وعلمُهُ، وقدرتُهُ لولا الخالق لم يوجدوا. الثاني: عِلْمُ الخالق وقدرته ومشيئته، والأول فرعٌ عن هذا.
وعليه؛ فإنَّ وقوعَ الشكر منك ينبغي أن يكون وفق ما يحبه الخالق ويرضاه من الأمور التي تقع باختيارك. ولا يُتصوَّرُ وجود من يطلُبُ حاجته بسلوك ما لا يرتضيه ويريده مَن حاجته بيده، ولأنَّ هناك ما يريده الخالق منك، وما لا يريده؛ فإنَّ تحديد تلك الأمور التي يريدها لا بُدَّ وأنْ يرجِعَ إلى الخالق نفسه لا إلى مخلوق؛ لأنَّ الرجوع إلى الخالقِ نفسِهِ رجوع إلى الأعلم والأحكم، والرجوع إلى الأعلم والأحكم طريقٌ آمن لمن صدق في طلب الوصول.
وأوَّلُ ما يَعْلَمُ العقلُ دخولَه فيما يريده الخالق منك: أداء حقوقه وحقوق خلقه، ومن حقوقه سبحانه: - شكرُهُ -تبارك وتعالى-. - وإظهار الافتقار إليه. - وإفراده في كل ما هو من خصائصه. - وعدم القول عليه بلا علم. والعلم بتفاصيل هذا كله إنما يُستند فيه إلى الخالق سبحانه.
ثمرات إدراك التلازم بين الإقرار بالخالق ووجوب إظهار الافتقار إليه:
الثمرة الأولى: فهمُ حقيقة العبادة؛ فإظهار الافتقار المطلق في الأقوال والأفعال هو «حقيقة العبودية الاختيارية ولبُّها».
الثمرة الثانية: الإجابةُ على سؤال أشكلَ على كثيرين، وهو: «لماذا أمرَنا الله بعبادته؟»؛ إذ العبادة ليست إلا إظهار الافتقار المطلق لمن أنت في غاية الافتقار إليه.
الثمرة الثالثة: الخلاصُ من تشبيه الخالق بالمخلوق كما وقع فيه الكافر الجاحد، ومن تشبيه المخلوق بالخالق كما تجلَّى لك من حال المشرك.
الثمرة الرابعة: إدراكُ أعظم الظلم؛ فإنه إذا كانت التسوية بين مجتهدٍ ومهمل، وبريء ومهمل ظُلْمٌ؛ فإنَّ التسوية بين الخالق والمخلوق أشدُّ وأعظمُ ظلمًا؛ إذ الفرق بينهما أشدُّ من أيِّ فرق يكون بين اثنين مختلفين.
الثمرة الخامسة: الوصولُ إلى معرفة بعض حقوق الخالق عليك. وكما أنَّ عدله يمنع تسويته بين من يؤدي حق المخلوق ومن لا يؤديه، فكذلك عدله يمنع التسوية بين من أدَّى حقَّه وذاك الذي لم يؤدِّه.
الثمرة السادسة: إذا علمت بأنَّ للخالق عليك حقوقًا إن لم تؤدها عوقبت؛ فإنَّ العقل يُلزمك باتباع ما ينجيك من عقابه.
الثمرة السابعة: طلبُ النجاة من العقاب إنما يكون بمعرفة تلك الحقوق على وجه التفصيل، والعلم بذلك على جهة التفصيل لا بُدَّ أن يعود إلى من بيده إيقاع العقوبة ودفعها، وهو الخالق سبحانه.
الثمرة الثامنة: من عاد في تحديد الحقوق إلى المخلوق فإنما رضي لنفسه دينًا بشريًا لا إلهيًا.
الثمرة التاسعة: إذا كان عدم تأدية حقوق الخلق يوجب الذم؛ فإن تفويت حقوق الخالق أولى بالذم.
الثمرة العاشرة: كما أنَّ الخالق لا يُسوِّي بين من يؤدِّي الحقوق بمن لا يؤدِّيها في الآخرة، فهو كذلك لا يكلِّف عبادَه المؤمنين أن يُسوُّوا بين من أدّى حقَّ الخالق بمن لم يؤدِّه.
الثمرة الحادية عشرة: كما أنَّ للخالق الحقُّ في أن يعاقبَ من لم يؤدِّ حقَّه، فكذلك له الحقُّ أن يأمرَ عبادَه بمعاقبة من جَحدَ حقَّه، وله الحقُّ في أن يُبيح لهم سلبَ نعمِه عليهم من أموالٍ، ونساءٍ، وولدانٍ، وغير ذلك.
الثمرة الثانية عشرة: عبادةُ الخالق تعالى -التي هي في لبِّها إظهار الافتقار المطلق إليه- هي الأصل في حياة المخلوق الواعي؛ إذ ليس للمخلوق غِنًى عن الخالق طرفةَ عين.
وبإدراك هذه الثمرة: تعلم ضحالَةَ كُلِّ عبادة يقوم بها العبد حين تقيسها بشِدَّةِ حاجة العبد وافتقاره إلى ربه، وعِظَمِ غِنَى الرب عن الخلق من كل وَجْهٍ.
الثمرة الثالثة عشرة: علمُكَ بأنَّ العبادةَ أشرفُ وأكمَلُ المقامات الإنسانية
وذلك لأنَّ غاية ما يصل إليه الكمال الإنساني هو أن تكون اعتقاداته مطابقة للواقع، والأقوال مطابقة لاعتقاداته، وأفعاله مصدِّقة لأقواله؛ فيحصل بهذا انسجام بين اعتقاد الإنسان وحقيقة ذاته، وأقواله، وأفعاله.
الثمرة الرابعة عشرة: الوقوفُ على المعنى الحقيقي للحرية بعيدًا عن مفهومها الذي لا يراعي الحق الواجب للخالق على المخلوق
وذلك أنَّ الإنسان إما أن تكون أقواله وأفعاله متوائمة ومنسجمة مع الحق والعدل، أو لا تكونَ كذلك، وانسجام أقواله وأفعاله مع حقيقة ذاته هي الحرية الحقيقية.
الثمرة الخامسة عشرة: أنْ تعلمَ شيئًا من حكمةِ الخالق فيما يوقعه الخالق على الناس من ابتلاءات؛ إذ الناس ثلاثة أصناف:
الأول: صنفٌ يتعبَّدُ -: يُظهر افتقارًا مطلقًا- لخالقه في سائر أحواله؛ لأنه يعلم أنَّ ذلك هو حق ربِّه عليه، سواء أعطاه أو منعه، وهؤلاء هم من قال الرسول ﷺ فيهم: «عجبًا لأمر المؤمن، إنَّ أمرَه كلَّه له خير، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن، إنْ أصابته سراءُ شكرَ فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراءُ صبرَ فكان خيرًا له» رواه مسلم.
الثاني: صنفٌ يعبدون الخالقَ إذا أعطاهم ونعَّمهم، أما إنْ منعهم مرغوبًا لهم انقلبوا على أعقابهم -أعاذنا الله وإياكم وعافانا-، متناسين أنْ لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه، وأنْ ليس لهم من دونه وليٌ ولا نصيرٌ، وفيهم قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَعبُدُ اللَّهَ عَلى حَرفٍ فَإِن أَصابَهُ خَيرٌ اطمَأَنَّ بِهِ وَإِن أَصابَتهُ فِتنَةٌ انقَلَبَ عَلى وَجهِهِ خَسِرَ الدُّنيا وَالآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الخُسرانُ المُبينُ﴾.
الثالث: صنفٌ جحدوا حقَّ خالقِهم أساسًا، واستكبروا عن شكره وعبادته.
الثمرة السادسة عشرة: تفهُّمُ عدم إيمان البعض بوجود الخالق؛ إذ الإقرار به مستلزم لإظهار الافتقار إليه وعيش الحياة بما يتناسب مع إرادة الرب
ومعلوم أن بعض مراداته معارضة لهوى الإنسان. وحينئذٍ يكون الإنسان بين تقديم مرادات ربِّه على مرادات نفسه، أو العكس، ومن قدَّم مرادات نفسه فإنَّه قد ألصق بها وصف القبح؛ إذ لو قال: «سألتزم بمرادات نفسي دون مرادات ربِّي» = لكان باتفاق العقلاء واقعًا فيما يُستقبح، وليس له لدفع هذا القبح عن نفسه إلا بطريقين اثنين:
الطريق الأول: طاعة ربِّه. الطريق الثاني: تبرير موقفه، وذلك بنفي الحكم عن الخالق -كما يفعل بعض المنتسبين إلى الإسلام-، أو التنكُّرُ لنبوة النبي ﷺ، أو التنكر لوجود الخالق نفسه.
وللطريق الثاني أشار الله تعالى في القرآن بقوله: ﴿وَيُجادِلُ الَّذينَ كَفَروا بِالباطِلِ لِيُدحِضوا بِهِ الحَقَّ وَاتَّخَذوا آياتي وَما أُنذِروا هُزُوًا﴾ وليس لأحدٍ أن يقول: كيف يجرؤ إنسان على مخالفة أمر ربه مع علمه بالحق؟!
والجواب على هذا السؤال سيكون في مقالةٍ أخرى -إنْ شاء الله-. هذا وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
التعليقات (٠)
كن أوّل من يعلّق.