هل العقل ينفي وقوع المعجزات؟
تعتبر المعجزات من أكثر القضايا التي يصوِّرُ منكروها أنَّ العقل مقتضٍ لنفيها، وهو قولٌ ليس لنا في إبطاله إلا محاكمة هذه الدعوى بالرجوع إلى العقل نفسه، فهل العقل بالفعل مقتضٍ لردِّ المعجزات؟
أوَّلًا: ما هو مفهوم المعجزة؟
يتضح مفهومها إجمالًا بأنْ نقول: هي وقوع شيءٍ مغايرٍ للسُّنَنِ الكونية، ويكون وقوع ذلك الشيء خارجًا عن مقدور الجن والإنس، كما يكون هذا الشيء ذا صلة بمدَّعي النبوة.
ثانيًا: كيف يدل العقل على إمكان المعجزات؟
إنَّ العقل كما دل بالضرورة على وجود خالق لنواميس الكون وقوانينه، فقد دَلَّ أيضًا على قدرة الخالق على خَرْقِ ما خلق، ثم إعادته كما كان.
والأدلة العقلية على ثبوت القدرة كثيرة جدًّا منها:
الدليل الأول: أنَّ الله تعالى حيٌّ، وكلُّ حيٍّ لا بُدَّ أنْ يكونَ فاعلًا، فعلامة الحياة الفعل، ولـمَّا كان الله تعالى فاعلًا بالاختيار، تعيَّن أنْ تكون له قدرةٌ؛ لأنَّ الصفةَ التي يصلح بها الفعل هي القدرة، والفاعل لا بُدَّ أنْ يكون قادرًا، وهذا مستقرٌّ في الفطر معلومٌ بالضرورة، فمن نفى القدرة = فقد نفى الفعل، ومن نفى الفعل = فقد نفى الحياة.
الدليل الثاني: أنَّ صفة القدرة (وهي صفةٌ يتمكَّنُ بها الفاعل من الفعل بدون عجزٍ) كمالٌ في ذاتها، والخالق أولى بها من المخلوق.
الدليل الثالث: إذا كان المخلوق متصفًا بالقدرة على بعض الأشياء؛ فإنَّ من أوجد فيه هذه الصفة أولى بها منه؛ لأنَّ واهب الكمال أولى به، بل إنَّ عدم اتصافه بها يستلزم عدم وجود المخلوق؛ إذ كيف يقدر الفاعل على إيجاد ما يعجز عن إيجاده؟!
الدليل الرابع: كل من كانت قدرته مقصورة على بعض الممكنات كان مفتقرًا إلى غيره، وهذا الغير إما أن يكون مفتقرًا إلى غيره كذلك، وإما أنه لا يفتقر إلى غيره، والتسلسل في المؤثِّرين ممتنع، فثبت وجود فاعلٍ أوَّل هو الذي يهب غيره صفة القدرة، أمَّا هو فلا يحتاج إلى غيره، وبالتالي فهو قادرٌ على كل شيء سواءً كان خلقًا جديدًا، أو خرقًا لنواميس الكون.
يقول العقَّاد: «يؤمن المسلم بالنواميس الكونية أشدَّ من إيمان الدعاة إلى تقرير تلك النواميس باسم العلم العصري، أو العلوم التجريبية؛ لأنَّهُ يؤمن بأن النواميس سنة الله في خلقه... ولكنه يؤمن كذلك بإمكان المعجزات؛ لأنها ليست أعجب مما هو حادثٌ مشاهَدٌ أمام الأبصار والبصائر، وليست هي بمحتاجة إلى القدرة التي نشهد من بدائعها ما يتكرر أمامنا كل يوم، وكل ساعة ... فلا يجوز لأحَدٍ أنْ ينكرها لأننا تعودنا فيما علمناه في العصر على الأقل أمورًا كثيرة كانت في تقدير الأقدمين من خوارق العادات، وهي اليوم من الممكنات المتواترات، وما جاز فيما نعلمه يجوز فيما نجهله، وهو أكثر من المعلوم لنا الآن بكثير».
هل المعجزات موافقة للحكمة الإلهية؟
كما أنَّ العقلَ يُفيد إمكان المعجزة من هذه الجهة، فإنَّه كذلك يُفيدُ إمكانها من جهة الحكمة؛ إذ مقصود وقوعها الأول: هو تصديق النبي وتأييده، ونفيُ هذا فرعٌ عن نفي النُّبُوَّة، ولا يصحُّ الاستدلال بمحل النزاع، كأن يُقال: «ادَّعاء أنَّ هذا هو حكمة وقوعها باطلٌ؛ لأنَّ النبوة لم تثبت»؛ فإنَّ هذا استدلال بما ننازعهم فيه. وإنَّ من يدَّعي أنَّ وقوعها -أي: المعجزات- مخالفٌ للحكمة الإلهية فقد نصب نفسه معيارًا لِمَا ينبغي على الخالق فعله مما ليس كذلك، وكأنه يقول: «أنا أرَى الأمر كذا، إذًا هذا الذي ينبغي!». نعم، إنَّنَا نعلم بعض ما يتعارض مع الحكمة الإلهية، وقد يكون بعض ما نرى أنه كذلك هو في حقيقة الأمر وهْمٌ، كما أنَّ كثيرًا من الأشياء لا نعلم منافاتها للحكمة، وقد يكون بعضها بالفعل منافيًا، وقد لا يكون، فإذا كان هذا هو حال الإنسانُ؛ فإنَّهُ لا يصِحُّ أنْ يجعل معيارًا لما ينبغي على إنسانٌ آخر -فضلًا عن الخالق- فعله مما لا ينبغي!
لماذا يظن بعض الناس أن المعجزات ينكرها العقل؟
المنكِرُ للمعجزات لم يُفَرِّقْ بين أحكام العقل الضرورية والخِبْرَةِ الحِسِّيَّةِ، فاحتكم إلى الثاني برداء الأول، وما حاله إلا كـحال من حُدِّث عن الطائرات، وكيف أنها تحلِّقُ في السماء زمنًا طويلًا، محملَّة بالبضائع والبشر، فأنكرها؛ لأنه لمَّا لم يسبق له رؤيتها، ووجد عقله قاصرًا عن إدراك حقيقتها وكيفية تحليقها = فظَنَّ كَذِبَ ما حُدِّث به! فإذا كان هذا جاهلًا باتفاق الناس: ذكيِّهِم، وغبيِّهِم، فإنَّ من ينكر المعجزات جاهلٌ كذلك؛ لأنَّ الكلَّ احتكم إلى جهله وخبرته الحسية لا إلى العقل!
يقول المعلِّمي: «الأغلاط في النفي أكثر منها في الإثبات؛ وذلك لكثرة اعتماد الإنسان في الحكم بالنفي على استقرائه الناقص، فلو لم يثبت عندك قطعًا تفاوت الناس في الإبصار لكنت إذا تراءيت الهلال أنت وآخرون، فادّعوا رؤية الهلال وأنت لا تراه = تكذِّبهم، وقِسْ على هذا سائر الحواس».
ما الذي يكفي واقعيًا لدحض دعوى المنكر للمعجزات؟
إذا كان العقل لا يحكم بانتفاء المعجزة ولا بثبوتها، فإنَّ الإثبات والنفي فرعٌ عن العلم بالواقع، والعلم به متوقِّفٌ على المشاهدة أو الخبر، ونحن يكفينا في دحض دعوى المنكِرِ لجنس المعجزات إثباتُ وقوع فردٍ من أفرادها بالاستناد إلى الحِسِّ أو الخبر، بينما هو مطالبٌ -لكي يُصَحِّحَ دعواه- بنفي وقوع جميع أفرادها في كل زمان ومكان، ولا يصح منه النفي -كما قلت: في ظل حكم العقل بالإمكان الخارجي- إلا بعد استقراء جميع أحداث الكون، وهذا مستحيل، أو أنْ يأِتَي بخبرٍ من الخالق نفسه يفيد انتفاءها، وأنَّى له ذلك! وجهلُهُ بوقوع شيء منها ليس حُجَّةً في النفي؛ إذ هو من اسْمِهِ = جَهْلٌ، فكيف إذًا يُجعل حَكَمًا ومعيارًا لمعرفة الواقع؟! ألا يعلم أنَّ عدم العلم ليس علمًا بالعدم؟!
التعليقات (٠)
كن أوّل من يعلّق.