﴿وَما قَتَلوهُ وَما صَلَبوهُ﴾
إنَّ القرآنَ العظيمَ لو كان من عند النبي محمد ﷺ -وحاشاه-؛ لَمَا تطرَّق إلى قضية إنكار صلبِ عيسى -عليه السلام-؛ وذلك لأنه ليس ثَمَّةَ حاجةٌ إلى نفيه، كما أنَّ في ثبوت الصلب حُجَّةٌ للنبي ﷺ فيما ينسبه إلى اليهود والنصارى؛ إذ كان بإمكانه أنْ يحتجَّ به على النصارى في تأكيد بشرية المسيح -عليه السلام-؛ ومن ثم يلتفت إلى اليهود ليُؤكِّد ما أفضى إليه عنادهم من تكذيب الأنبياء وقتلهم، ومنطلقُ القرآن في النفي ليس تنزيه الأنبياء عن القتل؛ إذ قد ثبت وقوعه بالنص على جُمْلَةٍ منهم.
وهذا النفي القرآني للصلب دليلٌ على النبوة -بغَضِّ النظر عن التحقيق التاريخي-، وبيانُ ذلك باجتماع عدة أمور: الأول: أنَّ النبيَّ ﷺ دعا الناس إلى تصديق عيسى -عليه السلام- واتِّباعه، ولولا ضرورة استحضار هذا المعنى في صياغة الدليل لم أذكره. الثاني: لم يكن النبي ﷺ بحاجة إلى نفي الصلب؛ بل هو -لو كان القرآن من عنده- بين أمرين: إما أنْ يقصد بيان الحق، أو لا يقصد ذلك؛ فإن كان الأول فهو من أدلة صدقه؛ لأنه تحرَّى الحقَّ في حقِّ مخلوقٍ مثله -مع ما يترتب عليه-، فكيف الشأنُ في حقِّ خالقه؟! أمَّا إنْ كان الثاني -أي: لا يتحرَّى الحق-؛ فهو ليس بحاجة ليختلق عدم صلبه ورفع الله له، بل الحاجةُ داعيةٌ إلى تكييف القرآن بما يتوافق مع ما هو شائع لدى أهل الكتاب. يوضِّحُهُ: الثالث: المثبتون للصلب من اليهود والنصارى كثيرٌ جدًّا، وموافقةُ من يُظن أنهم أعلم بحال عيسى -عليه السلام- مع كثرتهم أولى من موافقة المخالف لهم إذا كان من أمةٍ لا تعلمُ شيئًا ذا بال عن الأنبياء السابقين، فيكون بالمخالفة منفِّرًا لليهود والنصارى من جهةٍ، ومن جهة أخرى: منفِّرًا لأولئك الذين يرون اليهود والنصارى أعلم بحال عيسى -عليه السلام- منه. الرابع: إنْ لم يكن النبي ﷺ في حاجةٍ إلى تكذيب دعوى الصلب مع حرصه على اتباع أهل زمانه؛ فإنَّ نفيه له يُخالف عادة من يدعو الناس إلى اتِّباعه لأجل تحقيق مصالح ذاتية له؛ فإنَّ من كان كذلك -أي: يريد تحقيق مصلحة دنيوية من خلال كثرة الأتباع- لا يُصرِّح بالمخالفة حتى ولو كانت مصلحته متوقفة على نزع اعتقادهم بشيء، وإنما يأخذهم بالمسايسةِ أحيانًا، والمداهنةِ أحيانًا أخرى حتى يتمهَّد له الطريق إلى إنكار ما يريد، أمَّا حالُ النبي ﷺ مختلف تمامًا؛ فإنه قد صادَمَ جموعًا كثيرة بعبارة صريحةٍ في أمرٍ لا يتعارض مع مصلحته، وكان بإمكانه -لو كان القرآن من عنده- أنْ يُكيِّفَ القرآن بما يتوافق مع اعتقاد أهل الكتاب في نهاية المسيح -عليه السلام-.
ولقائلٍ أنْ يقول: الاحتجاجُ به عليهم لا يتوقَّف على موافقتهم؛ إذ بإمكانه أن يُعلن المخالفة في وقت الاحتجاج، وهذا معروف في طرائق الجدل والمناظرة؛ حيث يعمد أحد المتناظرين إلى إلزام الآخر بلازم باطل يلزم عن معتقد الخصم. فيُقال: الجواب من خلال عدة نقاط: أحدها: أنَّ هذا المسلك يسير عليه من كان بحاجة إلى مخالفتهم في ذلك، والنبي ﷺ ليس بحاجة لذلك كما أبَنْتُهُ آنفًا. ثانيها: إذا كان النبيُّ محمد ﷺ ليس بحاجة لمخالفتهم، وكانت لمخالفته إياهم تبعات تتعارض مع مقاصده = فإنَّ تصريحه بالمخالفة بعبارة جازمة لا بُدَّ وأنه ناشئ عن مستندٍ يجعله متيقِّنًا من صحة ما يقول، والنبي ﷺ : ● لم يكن في زمن المسيح -عليه السلام- ليكون مستنده النظر والمعاينة. ● وأهل مكة الذين نشأ فيهم ليس لديهم اطِّلاع على أحداث بني إسرائيل، ولم يُنقل عنهم رأيٌ في موضوع الصلب ليُقال: شخصٌ يُقلِّد قومه! ● ولا يُمكن أنْ يكون قد أخذ أحوال عيسى عليه السلام عن أهل الكتاب؛ لأنه لو كان كذلك لكان متابعًا لهم لا مخالفًا؛ إذ لا مجال لمخالفة التلميذ لأستاذه فيما كان العلم به متوقفًا على النقل المحض. ● ولا يمكن أن يُقال: نَظَرَ في كتبهم وبحث وقارن فانتهى إلى ما يفيد انتفاء الصلب؛ لأنَّ ذلك يقتضي؛ كما قال د. عبد الرحمن بدوي: «أنَّ محمدًا كان يعرف العبرية والسريانية واليونانية، ولا بُدَّ أنه كان لديه مكتبة عظيمة اشتملت على كل الأدب التلمودي، والأناجيل المسيحية، ومختلف كتب الصلوات، وقرارات المجامع الكنسية، وكذلك بعض أعمال الآباء اليونان، وكتب مختلف الكنائس، والملل والنحل المسيحية، هل يمكن أن يعقل هذا الكلام الشاذ لهؤلاء الكتاب؟! وهو كلام لا برهان عليه ... إنَّ حياة النبي محمد ﷺ قبل ظهور رسالته وبعدها معروفة للجميع على الأقل في مظاهرها الخارجية، ولا أحد قديمًا أو حديثًا يمكن أن يؤكد أن النبي محمدًا ﷺ كان يعرف غير العربية، إذًا كيف يمكن أن يستفيد من هذه المصادر كما يدعون؟!». ● فتعيَّنَ حينئذٍ أنَّ مستنده في ذلك وحيُ السماء.
وللأمانة العلمية أقول: إنَّ هذه الحجة انقدحت في ذهني بعد قراءتي لنَصٍّ للقاضي عبد الجبار تضمَّنها، حيث يقول في «تثبيت دلائل النبوة»:
«وتأمَّل إلى إقدامه على أمَّتين عظيمتين من أهل التحصيل والعقل، قد أجمعوا على أمر وسبقوه في الزمان، وهو أشدُّ الناس حرصًا على تألُّفهم وإجابتهم واستمالتهم، فأكذبهم وردَّهم، ولو كان متقوِّلًا لتهيَّب ولم يقدم على ذلك خوفًا من أن يكون الأمر كما قالوا وكما ادّعوا فيبين كذبه ويرجع عنه من قد تبعه؛ لأنَّ الأنبياء يجوز أن يقتلوا ويصلبوا، بل قد قُتِل قوم منهم. وأيضًا، فليس في قتل المسيح طعنٌ عليه، ولا قدحٌ في أمره، وما به حاجةٌ إلى مخالفتهم في ذلك، بل قد كان ينبغي أنْ يكون الى تصديقهم في ذلك أحوج؛ ليكون تشنيعه على النصارى أقوى، لأنهم قد اعتقدوا فيه أنه إلهٌ وربٌّ، وقد رأوه أسيرًا مقهورًا في يد عدوه ومصلوبًا ومقتولًا، ويزيد شناعته على اليهود لأنهم قد قتلوا نبيًّا آخر مضافًا إلى غيره من الأنبياء الذين قد قتلوهم قبل المسيح؛ فتجنب ﷺ هذا كله مع الحاجة إليه، وقال: قد ادعوا أنهم قد علموا ذلك وليسوا به عالمين ولا متفقين، وما معهم فيه إلا الظن؛ فقال: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾، أي: ليس ثَمَّ يقينٌ ولا سكونُ نَفْسٍ، تقول العرب في الخبر المتيقّن: قتلته علمًا، وقتلته يقينًا، ثم قال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾، أي: صانه وعظَّمه أنْ تنالَهُ يَدُ عدوِّه بالقتل والصلب؛ لأنَّ الظَّنَّ قد يصدُقُ تارةً، وقد تجتمع الجماعة الكبيرة فتصدق المخبر الواحد من طريق حسن الظن بخبره، ويكون قد صَدَق فيما أخبر، فيكونوا صادقين وإنْ لم يعلموا صدقه، وإنْ ظنُّوا أنَّ اعتقادهم لذلك علم؛ فانظر الى ذلك كيف بيَّنه من كل وَجْه».
والخلاصة أن هذا الذي ذكرتُ دليلاً من جملة الأدلة الكثيرة على النبوة، ومن تتبع نصوص الوحيين، وتأمل فيهما انقدح له من الدلائل ما يزيده إيمانا بنبوة النبي ﷺ.
التعليقات (٠)
كن أوّل من يعلّق.