عودة إلى الفهرس

عِظَمُ التنافر بين النبيِّ الصادق والمتنبِّئ الكذَّاب

مقالة قديمة·النبوات
عِظَمُ التنافر بين النبيِّ الصادق والمتنبِّئ الكذَّاب

إنَّ كل مَن يدَّعي النبوة لا يخلو عن أن يكون أصدق الصادقين، أو أكذب الكاذبين. وهذا مقتضٍ لعِظَم التنافر والفرق بين النبيِّ الصادق والمتنبِّئ الكذَّاب؛ حيث إنَّ الأول في أعلى ما قد يتصوره الإنسان من الصدق، والآخر في أسفل دركات الكذب، ومن التبس عليه حالهما كان من أجهل الجاهلين. في هذه المقالة سأسلِّط الضوء على بعض ما يكشِفُ خطأ ما يتوهَّمُهُ كثيرون من أنَّ النَّاسَ قد يلتبس عليهم حالُ مدِّعي النبوة فينقادون إليه جهلًا منهم بحاله. وهذه الدَّعْوى -لعَمْرُ الله- من أعجب ما يستنِدُ عليه النَّابذون للنبوة؛ وذلك لأنَّ صاحبها يرفع شعار جهله في الوقت الذي يُظهر فيه حذلقته! وهذا الجهل يتجلَّى إذا قيل له: دعك من الناس وأخبرني عن نفسك، إذا رأيت من يدَّعي النبوة الآن، أيلتبس عليك حاله، أم أنَّ أبسط تفكرٍ في حاله كافٍ في تمييز صدقه من كذبه؟ فإن قال: بل يلتبس عليَّ حاله. قيل: قولُك آية جهلك، وقد زدتَّ عليه ما يؤكده حين نسبتَ ما بك إلى غيرك، وقد فعلتَ خيرًا لو قصرت الحكم على نفسك. أمَّا إنْ قال: بل أستطيع تمييزه. قيل: لستَ وحدك القادر على التمييز! وبالرغم من أنَّ الأخذ والردَّ أعلاه مع مثير الشبهة كافٍ في بيان تهافت دعواه، إلا أنني لن أكتفي به، وسأبين -بما فتح الله عليّ- ما يوجب ظهور حال مدِّعي النبوة، وعدم التباس أمره على من أراد تَبَيُّنَ حاله إرادةً صادقةً، فأقول مستعينًا بالله:

أولًا: عِظَمُ الدَّعْوى

دعوى النبوة من أعظمِ الدعاوى على الإطلاق؛ فقول الشخص: «أنا رئيس الدولة الفلانية» أو «أنا أملك قوةً خارقة أستطيع من خلالها الطيران في السماء» أهون من أنْ يقول لك: «إنَّ خالق السماوات والأرض وما بينهما أرسلني إليك!»، فلئن كان من البديهي ألّا يُسَلِّمَ الإنسانُ بما هو أهون من دعوى النبوة إلا بدليل، فالتحقُّقُ من صِدْقِ النبوة أشدُّ وأولى. هذا من جهة طلب الدليل. أمَّا من جهة إدراك الترابط بين الدليل والمدلول فهو ميسورٌ للكل، مُدْرَكٌ لجميع أطياف المجتمع كما يُدْرِك الناس عدم الترابط بين الاستدلال بالقدرة على المشي لإثبات القدرة على الطيران! وإدراك عدم الترابط أيضًا بين دعوى النبوة والسّحر؛ إذ السحر مما يقدر عليه البشر، وكثير من السحرة لم يدّع النبوة، ولئن خفي عليهم عدم الترابط في أول الأمر؛ فلا بُدَّ من ظهوره مع الأيام.

ثانيًا: ضرورةُ الشرع

النبوة تتضمن أخبارًا وأوامرَ ونواهيًا، ولولا ذلك لم يكن لادِّعاء النبوة معنى. والكذبُ في ادِّعائها يُفضي إلى الكذب في أمورٍ كثيرةٍ؛ حيث إنَّ ما يسنده إلى الربِّ تعالى غالبه -إنْ لم يكن كله- كذبٌ، ومن كَذَب على الخالق وتجرأ على ذلك فقد هان عليه الكذب في أموره كلها. بل إنَّ من تجرأ على الكذب فيما لا يخفى على الناس كذب المدَّعي فيها؛ كان لا بُدَّ من أنْ يتجرَّأَ على الكذب على الناس؛ لأنه لا يعبأ لاكتشافهم كذبه! وهذا أمرٌ مشاهد؛ فمن كذب في أمر لا يخفى على الناس الكذب فيه، كان الكذب عادته.

ثالثًا: ضرورة التميز:

ما يُخبر به النبي ويأمر به غيرَه لا بُدَّ أنْ يكون مِمَّا لا يقدر على إدراكه البشر؛ إذ لو كان الذي جاء به مدْرَكًا عند غيره = لم يتحقق معنى الاصطفاء الذي هو لبُّ النبوة. فيكون حاله مع الناس كمن يخبرهم بأنَّ للإنسان رأسًا ولسانًا يتحدَّث به، أو يخبر عن شيء مما يُتوصَّلُ إليه بالعقل والتجرِبة. وهذا القدر لا ينفي اشتراك غيره معه، فينتفي حينئذٍ اختصاصه بما زعم أنه اختص به.

رابعًا: ضرورة الدليل

ما سبق من تقريرٍ لا يعني بالضرورة أنَّ الحديث عما لا تدركه عقول الناس كافٍ في ادِّعاء النبوة؛ إذ بإمكان الجميع أن يُطلقوا العنان لخيالاتهم، ثم يزعمون أنها حقائق. وحيث كان الأمرُ كذلك فلا بُدَّ أنْ يكون مع النبي الصادق ما يدل على صدقه؛ وذلك ليتميز به عمن يتكلّم في أمر الغيب بلا برهان. ومن جوَّزَ على الله تعالى أن يُسوِّي في الدنيا بين النبي الصادق والمتنبئ الكذاب لزمه نسبةُ النقص إليه -سبحانه وتعالى-؛ إذ التسوية بينهما تؤول إلى عدم إقامة الحجة على جنس الأخيار والأشرار، هذا من جهة حكمته. أمَّا من جهة عدله -سبحانه- فإنه لا يسوّي بين النبي الصادق والمتنبئ الكذَّاب في الدنيا، ولا يساوي بين من صدّق رسله وأعرض عنهم في المآل الأُخروي. فأمَّا من جهة الدنيا فإنَّ النبيَّ -كما سبق بيانه- يأتي بجملةٍ من العلوم والأعمال اصطفاه الخالق بها ليُبلِّغها خلْقَه، وما أتى به لا بُدَّ وأنْ يتعارض مع مضمون ما يدعو إليه المتنبِّئ الكذاب، كما يختلف دافع الصادق في دعوى النبوة عن دافع الكاذب في ادعائها؛ فإنَّ النبي الصادق لا بُدَّ وأنْ يأتِيَ بما لا تُدركه عقول البشر، والدافع لادّعائها هو امتثال أمر ربّه في التبليغ، فلا يظهر -على تقدير عدم الدليل المُميِّز- صِدْقُ الصادق وكَذِبُ الكاذب في ادّعاء النبوة. وهذا أثقل ما يكون على الصادق؛ إذ علمه بصدق خبره دون القدرة على إثباته لغيره يقتضي تسويته -في حكم الناس- مع من يقول بضد قوله. فلا هو الذي استراح من هَمِّ التبليغ، ولا هو الذي أُعطي ما يُثبت صدقه. فيترتب على هذا الفرض عدم إقامة الحجة على الناس؛ وذلك لعدم تميز الصادق بما يثبت صدقه. وأمَّا من جهة المصدِّقين والمكذِّبين؛ فمعلومٌ أنَّ الخالق -سبحانه وتعالى- لا يُسوِّي بين الأخيار والأشرار، والأبرار والفجَّار؛ لكون ذلك من الظلم الذي حكم العقل بانتفائه عن الخالق ضرورةً. وحينئذٍ لو قُدِّر وجود اثنين: أحدهما صدَّق رسل الله واتَّبع ما جاءوا به، والآخر كذَّبهم وأعرض كِبْرًا وعُتُوًّا = لكان الأولُ من الأخيار، والآخرُ من الأشرار. ومعلومٌ أنَّ معرفةَ الإنسان للخير لا تستلزم بالضرورة اتَّباعه، ومعرفته للشر لا تستلزم اجتنابه، ولكي يتميز الخيِّرُ عن الشرِّير في المآل لا بد من تمييز النبي الصادق بما يقيم به الحجَّةَ على الناس، ويُخضِع طالب الحق لما معه. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «إذا كان قادرًا -أي: الله تبارك وتعالى- على أنْ يهدي الإنسان الذي كان علقةً، ومضغةً إلى أنواع العلوم بأنواعٍ من الطرقِ إنعامًا عليه، وفي ذلك من بيان قدرته وحكمته ورحمته ما فيه؛ فكيف لا يقدر أنْ يُعَرِّفَهُ صِدْقَ من أرسله إليه؟! وهذا أعظم النِّعَم عليه، والإحسان إليه، والتعريف بهذا دون تعريف الإنسان ما عرفه به من أنواع العلوم؛ فإنه إذا كان هداهم إلى أنْ يَعلم بعضهم صدق رسولٍ من أرسله إليه بشر مثله، بعلامات يأتي بها الرسول، وإن كان لم تتقدّم مواطأة وموافقة بين المُرسِل والمرسَل إليهم؛ فمن هدى عباده إلى أنْ يرسلوا رسولًا بعلامةٍ، ويعلم المرسَل إليهم أنها علامة تدل على صدقه قطعًا، فكيف لا يقدر هو أنْ يرسل رسولًا، ويجعل معه علامةً يُعرّف بها عباده أنه قد أرسله؟! وهذا كمن جعل غيره قديراً، عليماً، حكيماً، فهو أولى أن يكون قديراً، عليماً، حكيماً، فمن جعل الناس يعلمون صدق رسول يرسله بعض خلقه بعلامات يعلم بها المرسَل – إليهم – صدق رسوله، فمن هدى العباد إلى هذا، فهو أقدر على أن يعلِّمهم صدق رسوله بعلامات يعرفون بها صدقه، وإن لم يكن قبل ذلك قد تقدّم بينهم وبينه مواطأة» ويقول أيضًا: «ونحن نعلم بالاضطرار ... أنه لا يبعث أنبياء صادقين يبلغون رسالته، ويأمر الناس باتّباعهم ويتوعد من كذبهم، فيقوم آخرون كذابون يدّعون مثل ذلك، وهو يسوي بين هؤلاء وهؤلاء في جميع ما يُفَرَّق به بين الصادق والكاذب. بل قد علمنا من سنَّته أنه لا يُسوِّي في دلائل الصدق والكذب بين المحدِّث الصادق، والكاذب، والشاهد الصادق، والكاذب، وبين الذي يعامل الناس بالصدق، والكذب، وبين الذي يظهر الإسلام صدقًا، والذي يظهره نفاقًا وكذبًا، بل يُمَيِّزُ هذا من هذا بالدلائل الكثيرة؛ كما يميز بين العادل والظالم، وبين الأمين والخائن؛ فإنَّ هذا مقتضى سنَّتِه التي لا تتبدَّل، وحكمته التي هو منزَّهٌ عن نقيضها، وعدله سبحانه بتسويته بين المتماثلات، وتفريقه بين المختلفات؛ فكيف يسوِّي بين أفضل الناس وأكملهم صدقًا، وبين أكذب الناس وشرِّهم كذبًا فيما يعود إلى فساد العالم في العقول، والأديان، والأبضاع، والأموال، والدنيا والآخرة» فمن ادَّعى النبوة كذبًا؛ فهو من أجهل الناس وأكذبهم؛ لأنَّ دليله لا بُدَّ وأن يكون مما يقدر عليه البشر، كمن يقول: «أنا ملكُ الدولة الفلانية، ودليلي أنني آكل وأشرب وأنام» فيُقال له: إذًا جاز للكل أن يدَّعي ما ادَّعيته؛ لكون الكل يأكل ويشرب وينام، فلو كان دليلك مستلزمًا لمدلولك لتحقق المدلول في كلِّ من تحقق لهم دليلك! فثبت حينئذٍ كذبه، بل أحطُّ درجات الكذب؛ لكونه ادّعى دعوى عظيمة جدًّا بلا دليل صحيح، بل وتجرَّأَ على الكذب في حقِّ خالقه -سبحانه-، والمتجرِّئ على هذا لن يترفَّع عن الكذب على الناس.

خامسًا: وجود المخالفين

من المقدِّمات السابقة يتبيَّن لك أنَّ مدَّعي النبوة قد ادَّعى أعظمَ دعوى على الإطلاق، وأنَّ عِظَمَ هذه الدعوى مستلزمٌ لضرورة تمييز النبيِّ الصادق من المتنبِّئ الكاذب. ويتبيَّن لك أيضًا أنَّ مدَّعي النبوة إنْ لم يأتِ بعلومٍ يختصُّ بها عمَّن ليس بنبيٍّ = لم يكن لدعواه أيُّ معنًى، ولازمُ إتيانه بعلومٍ يزعم اختصاصَه بها: ألَّا يتبعه أحدٌ حتى يحكم على نفسه بالجهل والضلال قبل مجيئه، وينسب إليه فضلَ تعليمه وهدايته، ولهذا المعنى أشار الله -تبارك وتعالى- بقوله: ﴿لَقَد مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤمِنينَ إِذ بَعَثَ فيهِم رَسولًا مِن أَنفُسِهِم يَتلو عَلَيهِم آياتِهِ وَيُزَكّيهِم وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ وَالحِكمَةَ وَإِن كانوا مِن قَبلُ لَفي ضَلالٍ مُبينٍ﴾، وقال: ﴿هُوَ الَّذي بَعَثَ فِي الأُمِّيّينَ رَسولًا مِنهُم يَتلو عَلَيهِم آياتِهِ وَيُزَكّيهِم وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ وَالحِكمَةَ وَإِن كانوا مِن قَبلُ لَفي ضَلالٍ مُبينٍ﴾؛ ولا يُمكن لعاقلٍ أنْ يتَّبِعَ مدَّعيَ النبوة كذبًا؛ لأنَّ اتِّباعه إقرارٌ بفضلٍ لا وجودَ لِمَا يتحقَّق به. وإن شئتَ فقل: مدَّعي النبوة -بالتقسيم الحاصِرِ-: - إمَّا أنْ يكون صادقًا. - أو أنْ يكون غيرَ صادقٍ في دعواه. والمخاطَبُون -بالتقسيم الحاصِرِ أيضًا-: - إمَّا أنَّ كلَّهم يريد الحقَّ. - أو أنَّ كلَّهم لا يريده. - أو أنَّ بعضهم يريده، والبعضَ الآخرَ لا يريده. ولا يغيبُ عن ذهنك أنَّ صِدْقَ المدَّعي أو كَذِبَه لا يخفى على أقلِّ الناس ذكاءً، فضلًا عمَّن هو أعلى منهم فيه. فأمَّا كونُ البشر جميعًا لا يريدون الحقَّ؛ فدعوى إنِ ادَّعاها المخالفُ فقد أقام الحُجَّةَ على نفسه، وما مخالفتُه في نبوَّة النبيِّ إلَّا مظهرٌ من مظاهر عناده؛ ولهذا فهي ساقطةٌ من الاحتمالات، وبسقوطها يبقى احتمالان في مقابل احتمالين، فيكون الحاصلُ أربعةَ احتمالات. فعلى تقدير كَذِبِ مدَّعي النبوة، والناسُ كلُّهم طلَّابُ حقٍّ؛ فهم إذًا كلُّهم مكذِّبون له غيرُ متَّبعين، فيذيعُ حينئذٍ خبرُ كَذِبِه ولا يخفى على أحد. وأمَّا على تقدير انقسام الناس بين مريدٍ للحقِّ ومعرِضٍ عنه؛ فطلَّابُ الحقِّ لن يتبعوه، وكذلك المعرِضون عنه، لا لأنَّ الحقَّ في عدم اتِّباعه، بل لعِدَّةِ أمورٍ: الأمر الأول: عدمُ وجود الدَّاعي إلى ذلك؛ فالمدَّعي الكاذبُ إنْ جاء بدينٍ غيرِ الذي نشأوا عليه وأَلِفوه من آبائهم؛ فما الذي يحملهم ويبعثهم على اتِّباعه؟! خصوصًا إذا كان عاجزًا عن دفع الأذى عن نفسه، فضلًا عن غيره. الأمر الثاني: أنَّه لا يُمكنه أنْ يُرضِيَ جميعَ من لا يهمُّهم اتِّباعُ الحقِّ بحيث يُلبِّي رغباتهم كلَّها، ومن ادَّعى قدرتَه على ذلك فقد جعل بيده نواصيَ الخلق، وهذا رفعٌ له إلى منزلة الربوبيَّة! فثبتَ على التقديرين الحاصرَيْنِ أنَّ مدَّعيَ النبوة كذبًا لا بُدَّ أنْ يظهرَ كذبُه ظهورًا بيِّنًا، ولن يكون له من دعواه إلَّا فَضْحُ نفسه، وما مسيلمةُ الكذَّابُ عنك ببعيد؛ فإنَّه مع شِدَّة بأس أتباعه -وقد اتَّبعوه حميَّةً له لكونه من قبيلتهم- حين دارت رحى الحرب، لم يقدروا على منع اقتران اسمه بالكذب حتى صار مجرَّدُ ذِكْرِه يُثير معنى الكذب، فضلًا عن أنْ يُخفوا كذبه عن غيرهم! وأمَّا على تقدير صِدْقِه فيما ادَّعاه؛ فسيجدُ طلَّابُ الحقِّ ما يُبرِّرُ لهم إعلاءَه عليهم، وطاعتَهم له، والانقيادَ إليه، وتحكيمَه وتوليتَه عليهم، وأمَّا المعرِضون فهم عاجزون عن تبرير موقفهم منه.

ما الذي أريدُهُ من خلال التقسيم السابق؟

المرادُ هو أن تعلم أنه لا بُدَّ من وجود المخالفين لمدعي النبوة، سواء كان صادقًا في ادعائه أم كاذبًا؛ فعلى تقدير صدقه فسيأتي بأشياء تخالف أهواء ورغبات الناس، وليس كل من عرف الحق اعترف به واتبعه. وأما على تقدير كذبه؛ فحصول مصالح الناس لا تتوقف على اتباعه، بل في مجرد اتباعهم له اعتراف ضمني بجهلهم وضلالهم، ولا يمكن لعاقِلٍ أنْ يرضى بهذا على نفسه من أجل شخصٍ كذاب. وإذا تحتَّم وجود المخالف؛ فالأصل هو إظهار المخالفة وتبيين مبرراتها. ومن ادَّعى قدرة مدَّعي النبوة الكاذب على ملاحقة المخالفين، واستئصال شأفتهم؛ فعليه أنْ يُثبت قدرته على ذلك هذا أولًا. ثم ثانيًا: عدم تسريب المخالفين له الحقيقَة حتى تشاع في الآفاق كما شاعت مساوئ الملوك الطغاة. ختامًا تبيَّن لك مما سبق أنَّ مدَّعي النبوة قد ادّعى دعوى عظيمةً تتضمن علومًا اختص بها عن غيره، لا يُسلَّم له بها حتى يثبت صدقه بأدلة صحيحة. وأنَّى للكاذب إن سَهُلتْ عليه الدعوى أن ينفذ مقامات الاختبار حتى يصطف مع الصادقين؟! فإنْه والحالة هذه إن تشبَّثَ بدعواه فهو في الحقيقة آتٍ بما يؤكد كَذِبَهُ، لا بما يُثبت صدقه! هذا وصلِّ اللهمَّ على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه، وسلِّمْ تسليمًا كثيرًا.

التعليقات (٠)

كن أوّل من يعلّق.